محمد جواد مغنية
136
في ظلال الصحيفة السجادية
المؤمن لا ييأس يوجه الإمام عليه السّلام بدعائه هذا كلّ من آمن باللّه ، إلى حسن الظّن به تعالى ، وبقدرته ، وعدم اليأس ، والقنوط من روحه تعالى ، ورحمته مهما اشتدت الأزمات ، وضاقت الحلقات ، وهذا شيء جليل ، وخطير ؛ لإنّه من صميم الحياة . . . ومن وحي هذا الدّعاء ، أو هذا التّوجيه نسجل الكلمة التّالية ، عسى أن تسهم بشيء مما يهدف إليه الإمام عليه السّلام . بين المؤمن ، والملحد فوارق شتى ، يطول فيها الكلام ، ونشير هنا إلى فارق يتصل بالدّعاء من قريب ، وهو أنّ الملحد إذا تناهت به الشّدّة ، وأغلقت دونه الأبواب ييأس ، ويستسلم للأمر الواقع ؛ لأنّه يحمل نفسا واهية خالية من الإيمان بقدرة إلهية تخرق نظام الطّبيعة ، وتفعل المعجزات . أمّا المؤمن فلا ييأس ، ولا يعترف بحتمية أي شيء من أشياء الطّبيعة على الإطلاق ؛ لأنّه يؤمن بقدرة قادر يقول للشيء كن فيكون ، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ، ولا في السّماء ، ويجيب المضطر إذا دعاه ، ويكشف السّوء ، فيلجأ إليه ، ويسأله النّجاة ، والخلاص ، ويرجو الإجابة حتّى ولو كان تحت أطباق الثّرى ، أو هاويا من السّماء إلى الأرض « 1 » . قال الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام : « لو أنّ السّموات ، والأرضين كانتا على عبد رتقا - أي سدا - ثمّ اتقى اللّه لجعل اللّه له منهما مخرجا » « 2 » . وهذا من وحي قوله تعالى : وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ
--> ( 1 ) انظر ، شرح أصول الكافي : 4 / 137 ، تفسير ابن كثير : 2 / 164 و : 4 / 112 ، فتح القدير : 3 / 342 . ( 2 ) انظر ، نهج البلاغة : 2 / 13 الخطبة ( 130 ) ، شرح نهج البلاغة : 8 / 252 ، دستور معالم الحكم : 103 ، عيون الحكم والمواعظ : 553 ، بحار الأنوار : 22 / 411 ، الطّبقات الكبرى : 7 / 29 .